فوزي آل سيف
24
عالم آل محمد الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام
قبل الإمام ذلك، مرغما بمعنى أنه أهون الشرور، وفي نفس الوقت كان يعمل على الاستفادة منه قدر الإمكان. فعقد مجالس العلم في مرو، وبيّن فيها موقع أهل البيت عليهم السلام وإمامتهم، وفتح البلاط العباسي على الشعراء الذين مدحوا آباءه في ظاهرة لم تشهدها أي فترة من فترات الحاكمين - الأمويين ولا العباسيين - أن يكون ذكر علي أمير المؤمنين وأولاده الطاهرين على ألسنة المدح والثناء من قبل الشعراء والمتحدثين. كما أظهر للناس من خلال مجالس المناظرات والاحتجاجات لماذا اختص الله سبحانه وتعالى أهل بيت النبي بالإمامة من خلال علومهم وتفوقهم فيها على من سواهم. وفي نفس الوقت فإن الإمام عليه السلام لما اشترط على المأمون عدم تدخله في الأمور التنفيذية، فقد منعه من الاستفادة من شخصيته كواجهة إمام مخالفيه، ولكي لا يضفي على تلك الأعمال الشرعية الدينية التي يملكها الإمام، إلى الحد الذي امتنع الإمام فيه أن يخرج لصلاة العيد مشاركا الهيئة السياسية، وذلك في أول الأمر ولكن بضغط المأمون خرج ولكنه خرج بكيفية شرعية خاصة ذكر الناس فيها بسنن رسول الله صلى الله عليه وآله، بينما كان الوضع العام يذكر الناس بالدنيا ومراتبها! ولهذا رأى بعض أعوان المأمون أن وصول الإمام إلى المصلى بهذه الطريقة كفيل بانقلاب الوضع، فأرسل المأمون إليه أن يرجع! فيا عجبا بينا هو يصر عليه في الخروج أيما إصرار، وإذا به يصر عليه على العودة والرجوع! وصل المأمون إلى نتيجة أن الإمام الرضا عليه السلام ، بالشروط التي وضعها، وبالعمل الذي يقوم به من التبليغ ونشر العلم لا ينفع خطة المأمون، بل كان في ذلك أكثر حكمة منه وتدبيرًا في أمره، فقد تحول منزله إلى مدرسة يتعلم فيها الناس منهاج آل محمد الأمر الذي جعل المأمون هذه المرة يواجه الإمام بشكل صريح ويهاجمه في عمل لا سابقة له، حيث كان في السابق يخطط لإسقاط شخصية الإمام من أعين الناس ولكن بصورة غير مباشرة، أما الآن فقد تغيرت الأمور، فقد روي عن عبد السلام بن صالح الهروي قال: «رفع إلى المأمون أن أبا الحسن علي بن موسى عليه السلام يعقد مجالس الكلام والناس يفتتنون بعلمه فأمر محمد بن عمرو الطوسي حاجب المأمون فطرد الناس عن مجلسه»[49] وتهجم على الإمام عليه السلام . ومع هذه النتيجة بالإضافة إلى أنه أراد أن يسترضي العائلة العباسية التي نقمت عليه تولية الإمام (وإن كان بصورة ظاهرية) ولاية العهد، فانتهى إلى التخطيط للتخلص منه، وكان أقرب الطرق في ذلك الاغتيال بالسم وهو الطريق المعتاد في الخلافة العباسية كما سبق وأن ذكرنا. وبالفعل فقد أقدم على اغتياله بالسم كما سيأتي الكلام بشكل مفصل في الصفحات القادمة.
--> 49 الشيخ الصدوق: عيون أخبار الرضا ٢/١٨٤